الرهان الحقيقي على شباب الجامعات

يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على مفهوم التعليم الريادي وأهدافه ومبرراته في التعليم الجامعي، مع استعراض أبرز المعوقات التي تواجهه واقتراح الإجراءات اللازمة لتفعيل دوره المحوري.
مفهوم التعليم الريادي
يُعرّف التعليم الريادي بأنّه: إكساب الطلاب مهارات الإبداع والابتكار وحل المشكلات وتنمية المواهب بما يؤهلهم الدخول إلى سوق العمل وعلى المستوى الدولي والعالمي (العاني، 2020، ص 25).
أهداف التعليم الريادي
يهدف التعليم الريادي إلى ما يلي (عبد العاطي، 2019، ص ص 1091-110):
- تكوين أفراد مبادرين وقادرين على إنشاء مشروعات اقتصادية جديدة تتسم بالنمو.
- ترقية الحلول الإبداعية للمشكلات، وإعداد خريجين أكثر مغامرةً خلال عملهم في مشروعات مستقبلية.
- تحسين عقول الشباب لتمكينهم من أن يكونوا أكثر إبداعاً وثقةً بالنفس.
- استخدام الطرائق القائمة على الممارسة.
- زيادة وعي الطلاب نحو العمل الحر وريادة الأعمال.
- القدرة على اتخاذ القرارات المناسبة.
- اكتساب مهارات حل المشكلات، والعمل كجزء من فريق، والانخراط في دعم المخاطرة.
- القدرة على توظيف المهارات الأكاديمية إلى مهارات عملية.
- بناء العقول الريادية التي تتسم بحب المغامرة والاستباقية.
شاهد بالفيديو: أهم النصائح لاختيار التخصص الجامعي
مبررات التعليم الريادي في التعليم الجامعي
يُعد التعليم المجتمع لتحقيق التنمية والتقدم المنشود، ولذلك كان واجباً على التعليم الجامعي أن يسهم في التنمية الاقتصادية في المجتمع، وتأهيل الطالب للمساهمة في تنمية المجتمع، من خلال تمكينهم من المهارات اللازمة التي تعينهم على ذلك، ومن ثمّ حظى موضوع التعليم الريادي باهتمام متزايد في الآونة الأخير، وأنّ هناك مبررات تفرض على الجامعة إدخال التعليم الريادي ضمن منظومتها، وتحصر هذه المبررات في التالي (محمود، 2017، ص ص 217-218):
- يُعد التعليم الريادي أحد المداخل التي تساعد على الاستقرار الاقتصادي كونه وسيلةً لتحقيق الأمن الاقتصادي للمجتمعات؛ وعليه، بدأت المقررات الدراسية والبرامج التعليمية في مجال ريادة الأعمال في الظهور بين المناهج الدراسية للجامعات في عديدٍ من الدول.
- تطور وظائف التربية في العصر الحاضر من مجرد نقل التراث الثقافي والمعرفي إلى جعل التربية أسلوب حياة. وقد تعددت وظائفها لتشمل الإعداد لسوق العمل، والانفتاح على المجتمع، ومحاولة حل مشكلاته، وتحقيق توافق بين الفرد وحاجاته وطموحاته من جهة وبيئته من جهة أخرى.
- أكدت التجارب الدولية الناجحة في التعليم العالي أن التعليم الريادي من أبرز التجارب في العقود الماضية؛ لتبنيه فكرة المشروعات للخريجين.
- جاذبية المشروعات الريادية لمعظم الطالب، لكونها قائمةً على فكرة العمل الحر دون تسلط الرؤساء.
- اهتمام كثيرٍ من الدول بدمج ريادة الأعمال في الاستراتيجيات والمبادرات التعليمية الوطنية؛ وفي ضوء ذلك، تُصلح البلدان أنظمتها التعليمية.
- يُسهم تعلم ريادة الأعمال في زيادة الأصول المعرفية، وبما له من أثر في بناء مجتمع المعرفة.
- يؤدي تعلم ريادة الأعمال إلى التحوّل من التركيز الاقتصادي على عدد محدود من أصحاب رؤوس الأموال نحو امتلاك أكبر عدد محدود من أفراد المجتمع للثروة بما يحقق الاستقرار وتحقيق التنوع في مجالات العمل.
معوقات التعليم الريادي
توجد كثيرٌ من المعوقات التي تواجه التعليم الريادي، وتكمن هذه التحديات في (عبد الفتاح، 2016، ص ص 633-634):
- القيم الاجتماعية السائدة: والتي تسهم بدور كبير في تكوين المنظومة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمعات؛ إذ تمثل القيم الاجتماعية الإطار المرجعي للسلوك الفردي، والدافع للسلوك الجمعي. كما وتحتاج ثقافة ريادة الأعمال إلى أنماط سلوكية جديدة؛ بالتالي، تحتاج إلى قيم جديدة تدفعها إلى الطريق الصحيح.
- الموروث الثقافي المجتمعي في الدول العربية: والذي يشجع الأفراد على التمسك بالوظائف الحكومية كونها أكثر أماناً، ويقلّ فيها تحمُّل المسؤولية، وتزداد التبعية، ويتعاظم الخوف من التجديد والتغيير والابتعاد عن المخاطرة.
- معوقات إدارية وقانونية: وتظهر في تعقيد الإجراءات والاستغراق في الروتين، والبطء الشديد في إصدار القرارات، وسيادة اللامبالاة والسلبية، وسيطرة العلاقات الشخصية، والقصور في توفير الكفاءات الإدارية.
- عدم توافر المعلومات اللازمة لإقامة المشروعات: تظهر في الحساسية الزائدة تجاه المعلومات، وعدم إعطاء أجهزة الدولة المعلومات للأفراد أو المؤسسات.
- الخوف من التجديد والتغيير: إذ يخشى كثيرٌ من الأفراد أن يتحملوا مسؤولية وأعباء التجربة الجديدة، بحجة أنّهم لا يعرفون تبعاتها.
- عدم توافر القيادات النوعية: القادرة على تحفيز وتشجيع الأفراد والجماعات، وإثارتهم نحو تحقيق هدف مشترك.
- عدم توافر الموارد التكنولوجية: التي يمكن استخدامها لإحداث تغيير في القيم والسلوك.
- صعوبة إحداث تغيير في بعض أنماط الشخصية العربية: مثل الانعزالية، والتواكل، وعدم احترام قيم العمل، خاصةً اليدوية منها.
- ضعف الوعي بأهمية المشاركة بين الأفراد في تحقيق الأهداف: وعدم توافر الرغبة والقناعة لدى الشباب بأهميتها منذ الطفولة.

الإجراءات المقترحة لتفعيل دور التعليم الريادي
توجد بعض الإجراءات المقترحة لتفعيل دور التعليم الريادي، مثل التالي (محمود، 2020، ص ص 149-151):
1. إجراءات تتعلق بالقيادة المؤسسية
لنجاح التعليم الريادي، يجب أن تعمل بالقيادة المؤسسية على محورين اثنين، وهما:
الأول: تأصيل ثقافة التعليم الريادي
وذلك من خلال:
- توعية جميع العاملين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب بسلسلة التعليم الريادي، ودوره في تحقيق الميزة التنافسية المستدامة، وذلك من خلال عقد الندوات والمؤتمرات وورش العمل.
- إدخال النظرة في رسالة الجامعة لتبني التعليم الريادي، ووضع آليات ممنهجة لتطبيق التعليم الريادي الجامعي.
- دعم الإبداعات والمهارات والأفكار الجديدة، والعمل على تطوير هذه الأفكار وإتقانها.
- توفير مناخ حاضن للإبداع والابتكار داخل القاعات الدراسية.
- تنمية روح التحرر والرغبة في المبادرة وتمكين المبادرين من خلال إيجاد فرصة قوية لتأسيس مشاريع ريادية.
الثاني: التوجه الاستراتيجي نحو التعليم الريادي
يكون من خلال:
- تضمين ريادة الأعمال للطلاب ضمن أنشطتها الاستراتيجية.
- المرونة وسرعة الاستجابة للتغيّرات المحلية والعالمية.
- التركيز الأعمق على المستقبل والسعي نحو الاستدامة.
- تحويل الجامعة إلى بيئة تكنولوجية لتتواكب مع الأفكار الريادية.
- جعل المخاطرة تشكل عنصراً جوهرياً في استراتيجية الكلية لتحقيق النجاح.
- تنويع مصادر التمويل للحفاظ على استقرار المؤسسة.
2. إجراءات تتعلق بأعضاء هيئة التدريس
وتتمثّل في ما يلي:
- تبنّي الثقافة الريادية والعمل على تحسينها وتنميتها، والعمل على توفير بيئة قيادية ريادية تربوية تدعم الابتكار والتميز والإبداع.
- متابعة كل ما هو جديد في مجال التخصص، وباتباع الأساليب والطرائق الحديثة التي تخدم المواد المطروحة في التعليم الريادي.
- التركيز على بناء العقلية الريادية للطلاب، وبناء المهارات الريادية لديهم.
- تحديث المناهج بالقضايا المجتمعية والسياسية والاقتصادية، والتي تربط الطلاب بمجتمعهم.
- استخدام الطرائق الحديثة المتميزة في مجال ريادة الأعمال مثل: التعليم الذاتي، والتعليم التعاوني، والزيارات الميدانية، والتطبيق ومشاريع الحالة، ونماذج لرواد الأعمال الناجحين وتمثيل أدوارهم، والإحساس، وغيرها من الأساليب الحديثة.
- العمل على بناء وتنمية المهارات البحثية للطلاب بطريقة إبداعية ومستمرة.

3. إجراءات تتعلق بالفكر التنظيمي
وتتمثل في ما يلي:
- إقرار مقرر ثقافي عن ريادة الأعمال لطلاب الجامعة، يتناول الأطر الفكرية للتعليم الريادي، ومدى عمق تأثيره في المستوى الفردي والمجتمعي.
- إنشاء مركز لريادة الأعمال داخل الجامعة، مجهز بالإمكانات التي يتطلبها التعليم الريادي وأنشطته المختلفة.
- وفير حاضنات الإبداع العلمي كونها من أهم الآليات المساعدة في ظهور الاقتصاد المعرفي.
- إنشاء بنك للأفكار الريادية الناتجة عن البحوث التي تجريها الجامعة.
- إنشاء مركز للتخطيط الاستراتيجي داخل الجامعة، يقوم بوضع خطط مستقبلية؛ ذلك لتطوير البحث العلمي، وتلبية احتياجات سوق العمل.
- إنشاء مكتب براءات الاختراع داخل الجامعة، يقوم بتحويل الأبحاث العلمية إلى براءات اختراع، وتشجيع الطلاب على نشر الأبحاث العلمية، وربط البحث العلمي بالصناعة والنواحي التطبيقية.
- إنشاء برنامج للإرشاد الأكاديمي الإلكتروني، بحيث يشرع على إدارته ذوي الخبرة من أعضاء هيئة التدريس، ويقوم بتوجيه الطلاب، ويدعم التعلم بين الطلاب وبعضهم.
- إنشاء برامج بينية تجمع بين تخصصين أو أكثر، وخصوصاً تلك المرتبطة بسوق العمل.
- توفير البنية التحتية ونظم المعلومات، والتي تقدم كثيراً من الخدمات المساندة مما يعزز القدرة على توفير فرص مشروعات جديدة، والتمكن من المنافسة المحلية والعالمية.
4. إجراءات تتعلق بالتعاون المجتمعي
ونذكر منها:
- إقامة شراكة متبادلة بين الجامعات وغيرها من الجامعات الريادية العربية والأجنبية، وكذلك المؤسسات الإنتاجية من أجل تبادل الخبرات، واكتساب بعض المهارات
- عرض نماذج ناجحة للرياديين؛ للاستفادة من تجاربهم وخبراتهم، وكذلك للتعرّف على المعوقات التي واجهتهم.
- عقد بروتوكولات تعاون مع قطاعات المجتمع المختلفة؛ لتدريب وتوعية طلاب الجامعة بالأنشطة الريادية.
- عقد مسابقة لأفضل مشروع ريادي لطلاب الجامعة.
- إصدار مجلة متخصصة في البحوث الريادية التي تخدم الجامعة والمجتمع.
- تدريب الطلاب على مهارات التواصل الاجتماعي.
ختاماً
يُعد تفعيل التعليم الريادي في الجامعات استثماراً حقيقياً في مستقبل الأجيال، فهو لا يقتصر على تأسيس المشروعات فحسب؛ بل يمتد لبناء عقول مبادرة ومغامرة قادرة على إحداث التنمية المستدامة. ويتطلب تجاوز المعوقات القائمة تضافر الجهود بين القيادات المؤسسية وأعضاء هيئة التدريس والمجتمع، والعمل وفق رؤية استراتيجية واضحة لتبني الثقافة الريادية.