التدريس والتعلم

عندما تُعلِّم المدرسة الطاعة بدل المبادرة… نُنتج جيلاً ينتظر القرار بدل أن يصنعه


لا تُبنى الطاعة في المدرسة دائماً بالأوامر الصريحة أو العقوبات المباشرة، بل بممارسات صغيرة ومتكرّرة، مثل: من يتكلّم ومتى، وكيف يُكافَأ الالتزام، وكيف يُدار الخطأ، وما الذي يحدث حين يقترح الطالب مساراً مختلفاً. ومع مرور الوقت، تتشكّل لدى الطفل بوصلة داخليّة تُرشده إلى ما يحفظ له الأمان داخل المنظومة التعليميّة. وهنا لا يعود السؤال: هل نُعلّم الطاعة؟ بل يصبح أكثر دقّة وقلقاً: أيّ نوع من المبادرة نسمح له أن ينمو داخل المدرسة؟

الطاعة كمهارة مُتعلَّمة لا كخُلُق شخصيّ

في الخطاب التربويّ التقليديّ، كثيراً ما تُقدَّم الطاعة بوصفها قيمةً أخلاقيّةً مرتبطةً بالاحترام والانضباط. لكن في الحياة المدرسيّة اليوميّة، لا يتعلّم الطفل الطاعة كمفهوم أخلاقيّ يُناقَش ويُختار، بل كمهارة عمليّة تُكتسب بالممارسة. فنراه يتعلّم متى يرفع يده، ومتى يتوقّف عن الكلام، وكيف يقدّم إجابته بالطريقة “الصحيحة”، حتّى وإن لم تكن نابعةً من تفكيره.

لا يُمنَع الطفل من التفكير، لكنّه يدرك تدريجيّاً أنّ التفكير الذي يُكافَأ هو التفكير الذي لا يغيّر المسار، ولا يستدعي إعادة نظر، ولا يربك الإيقاع. ومع تكرار هذه الخبرات، تتحوّل الطاعة إلى شرط غير مكتوب للبقاء داخل المنظومة التعليميّة. وهذا ليس خياراً واعياً بقدر ما هو استجابة عقلانيّة لسياق يكافئ الامتثال ويُثقل كلفة المخاطرة.

يشير إلى هذا الكاتب “غيرت بييستا” في كتابه “مجازفة التربية الآسرة”، حين وضّح أنّ المدرسة تُشكّل المتعلّم من خلال ممارساتها اليوميّة بقدر ما تفعل عن طريق مناهجها، وأنّ الأثر الأعمق لا يكمن في ما يُقال صراحة، بل في ما يتعلّمه الطفل ضمنيّاً عن موقعه، وحدود فعله، وما الذي يجعله “آمناً” داخل المؤسّسة التعليميّة (Biesta, 2011; Biesta, 2020).

شاهد بالفيديو: 8 صفات يتميّز بها المُعلم الناجح

 

من أين تأتي الطاعة؟ تفكيك التصميم المدرسيّ لا سلوك الطفل

حين نرى طفلاً مطيعاً في صفوفنا، غالباً ما نميل إلى تفسير ذلك بسماته الشخصيّة أو بأسلوب تربيته المنزليّة. غير أنّ هذا التفسير يُغفل حقيقةً أساسيّةً، وهي أنّ تصميم المدرسة أعمق أثراً من نوايا الأفراد. فحين تُدار القرارات بتراتبيّة صارمة، ويُحتكر القرار في أعلى الهرم، ويُختزل المنهج في مسار واحد، يتعلّم الطالب أنّ الأمان يكمن في الامتثال، لا في التجربة.

في هذا السياق، لا تحتاج المدرسة إلى فرض الطاعة بالقوّة؛ إذ تصبح الطاعةُ السلوكَ المنطقيّ الوحيد. وعليه، لا يُمنع السؤال، لكنّه لا يُكافَأ؛ ولا يُعاقَب الخطأ دائماً، لكنّه يُحمَّل كلفةً نفسيّةً أو رمزيّةً. ومع الوقت، يتعلّم الطفل أنّ المبادرة ليست مرفوضة نظريّاً، لكنّها محفوفة بالمخاطر عمليّاً.

تؤكّد نظريّة الدافعيّة الذاتيّة أنّ البيئات المُسيطرة تُضعف الدافعيّة الداخليّة، وهي شرط أساسيّ للاستقلاليّة والمبادرة (Deci & Ryan, 2000). وحين يُدار التعلّم بمنطق الضبط والتقييم العقابيّ، يتحوّل الامتثال إلى استراتيجيّة بقاء لا إلى فضيلة تربويّة.

المبادرة المُروَّضة: حين تبدو الحريّة خياراً

لا تكمن المشكلة دائماً في غياب المبادرة، بل في إعادة تعريفها على نحوٍ مُروَّض. فكثير من المدارس تُشجّع ما يمكن تسميته بـ “المبادرة الآمنة”، وهي: مشروع باختيار الموضوع لكن بالخطوات نفسها، ورأي مسموح ما دام لا يُربك الإجابة النموذجيّة، واقتراح مقبول بشرط ألا يستدعي تغييراً في الخطّة.

يتعلّم الطالب أن يبادر حين تكون المخاطرة معدومةً، والنتيجة مُتوقّعةً، والسلطة مطمئنّةً. ولا تُعدّ هذه مبادرةً بالمعنى التربويّ العميق، بل امتثال متقدّم؛ إذ تكمن خطورتها في أنّها تُقنع الطالب بأنّه فاعل، بينما هو في الواقع يتحرّك داخل هامش مرسوم بدقّة.

تشير تقارير “مستقبل التعليم” إلى أنّ تنمية الفاعليّة الحقيقيّة تتطلّب مساحات قرار حقيقيّة وعواقب ذات معنى، لا اختيارات شكليّة تُدار سلفاً (OECD, 2019).

ماذا يتعلّم الطفل عن السلطة داخل المدرسة؟

من خلال الروتين اليوميّ، ونبرة المعلّمين، وأنماط المكافأة والعقاب الرمزيّ، يكتشف الطفل أنّ مركز القرار ليس له، وأنّ “الطالب المثاليّ” هو من يفهم التوقّعات ويستبقُها. وفي هذا السياق، يُعاد تعريف الخطأ بوصفه تهديداً للقبول والانتماء، لا أداة للتعلّم. وتُصنَّف المبادرة كمغامرة غير مضمونة العواقب.

لا تظهر هذه الدروس الضمنيّة في المنهج الرسميّ، لكنّها تتكرّس بما يُعرف بـ “المنهج الخفي” (The Hidden Curriculum)، وهو منظومة من الرسائل الموازية التي تُشكّل وعي الطفل بموقعه وحدود فعله (Giroux, 2011). ومع تكرار هذه التجارب، تتشكّل لدى الطفل قناعةٌ صامتة بأنّ السلطة تُتَّبع لا تُساءَل، وأنّ الأمان في الانسجام لا في الاختلاف، وهي قناعة تمتدّ آثارها إلى المجال العام لاحقاً، كما يبيّن بييستا في تحليله للعلاقة بين المدرسة والمواطنة (Biesta, 2011).

حين تتآكل القدرة على المبادرة

لا يظهر أثر هذا النمط فوراً في الصفوف أو في نتائج الامتحانات، بل يتراكم بصمت على مرّ السنوات، متمثّلاً بحذر متزايد من اتّخاذ القرار، وتردّد في تحمّل المسؤوليّة، وانتظار دائم للإذن قبل الفعل. ولا يعكس هذا الحذر ضعفاً في القدرات، بل تكيّفاً عقلانيّاً مع بيئة تربط الأمان بالامتثال.

مع الزمن، يتحوّل هذا التكيّف إلى نمط شخصيّ. وعليه، يتعلّم الطالب أنّ الاستقلاليّة مُكلفة، وأنّ التجربة قد تؤدّي إلى الرفض أو الإقصاء، فيفضّل الالتزام حتّى حين يرى حلولاً أفضل. تُظهر أعمال “ألبرت باندورا” أنّ الفاعليّة الإنسانيّة تنمو حين يختبر الفرد أثر قراراته ويتحمّل عواقبها؛ وحين تُحرَم الطفولة والمراهقة من هذه الخبرات، تضعف القدرة على المبادرة لاحقاً (Bandura, 2006). وهكذا تتآكل الفاعليّة (Agency) كنتيجة سببيّة لسياق تعليميّ يُعلّم الانتظار أكثر ممّا يُعلّم الفعل.

السلطة داخل المدرسة

الطاعة المريحة: من المستفيد فعليّاً؟

لا يمكن إنكار أنّ الامتثال يُسهّل الإدارة الصفّيّة ويُنتج استقراراً سريعاً وقابلاً للتنبّؤ. وفي أنظمة مُثقلة بالمناهج والامتحانات عالية المخاطر، يبدو الضبط خياراً أقلّ كلفةً وأكثر قابليّةً للقياس، وتبدو العمليّة التعليميّة أكثر طوعيّةً للقائمين على المناهج (OECD, 2019). ومن هذا المنظور الضيّق، يبدو الامتثال مكسباً إجرائيّاً فوريّاً؛ لأنّه يسهّل العمل ويُقلّل المخاطر اليوميّة للمعلّمين والإدارة.

بيد أنّ هذا الاستقرار يُخفي وراءه ثمناً باهظاً يمسّ جوهر الفعل التربويّ. إذ تقوّض المُغالاة في مكافأة الطاعة روح المبادرة، وتحدّ قدرة المتعلّم على المساءلة ونقد البدائل، لينحسر دور الطالب من فاعلٍ مبدعٍ إلى ممتثلٍ يترقّب الإذن قبل الخطوة. فالطفل الذي يتعلّم أنّ الطريق الآمن هو انتظار القرار لا اتّخاذه، يبدأ بتشكيل عادات سلوكيّة تُبقيه ضمن حدود النظام، حتّى عندما يواجه مواقف تحتاج إلى مبادرة وحلول مبتكرة.

وعلى الصعيد المجتمعيّ، تتحوّل هذه “الطاعة المريحة” إلى آليّة لإعادة إنتاج مواطنين ينتظرون القرار ولا يصنعونه. فبينما يستفيد النظام من انتظام الصفوف، يفقد المجتمع مهارات التفكير النقديّ والمبادرة الفاعلة. وهي الديناميكيّة التي حلّلها “هنري جيرو” في كتابه “التربية النقدية” (On Critical Pedagogy)، موضحاً أنّ التعليم المُتمحور حول الامتثال يُعزّز سطوة النظام على حساب الفكر الحرّ (Giroux, 2011). وفي السياق ذاته، تؤكّد “اليونسكو” (2021) في تقريرها “إعادة التفكير في التعليم” (Rethinking Education) أنّ التربية القائمة على الانصياع قد تحقّق استقراراً مؤسّسياً عابراً، لكنّها تعوق الابتكار وتُضعف الاستعداد للمواطنة الفاعلة (UNESCO, 2021).

شاهد بالفيديو: طرق تساعد طفلك على الدراسة بشكل أفضل

 

في الختام

بما أنّ المدرسة هي المؤسّسة الأولى التي يختبر فيها الطفل مفهوم التعايش مع النّظم، فإنّ القضيّة الجوهريّة تتجاوز حدود الانضباط الشكليّ أو القدرة على الامتثال للقواعد. وعليه، يبرز السؤال الوجوديّ هنا: هل تُعدّ المدرسة أفراداً يمتلكون الأهليّة لاتّخاذ القرار حين يغيب المُوجّه؟ وهل تغرس فيهم وعياً بأنّ المبادرة حقّ، وأنّ السؤال مشروع، وأنّ الخطأ هو المختبر الحقيقيّ للتعلّم؟ فالمبادرة التي لا تتحمّل كلفة القرار ولا تُغيّر المسار، ليست مبادرة، بل تدريب متقدّم على الطاعة.

وممّا سبق، نرى أنّ المؤسّسات التعليميّة التي تجعل من الانضباط والامتثال غايتها القصوى، قد تنجح في فرض نظامٍ آنيٍّ داخل الصفوف، لكنّها تصوغ عقولاً متكيّفةً على الأمد البعيد وتفتقر إلى الاستقلال، وتنتظر من السلطة رسم المسارات بدلاً من ابتكارها. وهنا يكمن التحدّي المصيريّ للتربية الحديثة، والمتمثّل بالسؤال: “هل نملك الإرادة لإعادة تصميم المدرسة لتغدو فضاءً يُعلّم الأطفال ممارسة الحرّيّة في الاختيار، وتحمّل مسؤوليّة القرار، والجرأة على المبادرة قبل أن يغادروا الصفوف ويواجهوا العالم الحقيقيّ؟” فخارج المدرسة، لا توجد تعليمات جاهزة، ولا سلطة تمنح الإذن بالتحرّك، بل هناك عالم لا يتغيّر إلا بمن يملكون الجرأة على الفعل.

الأسئلة الشائعة

1. لماذا تميل مدارسنا في لبنان والمنطقة العربيّة إلى ترسيخ الطاعة أكثر من المبادرة؟

تميل كثيرٌ من المدارس في لبنان والمنطقة العربيّة إلى ترسيخ الطاعة؛ لأنّ الاستقرار والانضباط يُنظر إليهما بوصفهما شرطَين أساسيّين للاستمرار في بيئات تعاني ضغطاً سياسيّاً واقتصاديّاً وضبابيّة في المستقبل. وفي هذا السياق، تُفضِّل المؤسّسات التعليميّة ما هو قابل للضّبط والقياس السريع على ما يتطلّب وقتاً وتجريباً، مثل المبادرة والاستقلاليّة.

تشير تقارير دوليّة إلى أنّ الأنظمة التعليميّة في السياقات الهشّة تميل إلى اعتماد أنماط تعليميّة تحفظ النظام وتقلّل المخاطر، حتّى وإن كان ذلك على حساب تنمية الفاعليّة لدى المتعلّمين (World Bank, 2020؛ OECD, 2019).

2. هل تكمن المشكلة في ثقافة المجتمع أم في تصميم المدرسة نفسها؟

المسألة ليست خياراً بين الثقافة أو المدرسة، بل تفاعل بين الاثنين. فالمدرسة لا تعمل في فراغ، بل تتأثّر بثقافة اجتماعيّة تميل إلى احترام السلطة وتجنّب المخاطرة؛ لكنّها، في الوقت نفسه، تعيد إنتاج هذه الثقافة وتُضفي عليها شرعيّةً تربويّةً.

تُظهر أبحاث التربية النقديّة أنّ تصميم المدرسة من ناحية مركزيّة القرار، وإدارة الصفّ، وأنماط التقييم، قد يعزّز الطاعة حتّى لو كانت النوايا التربويّة داعمة للمبادرة (Biesta, 2011). بمعنى آخر، الثقافة تفسّر الميل، لكن التصميم المدرسيّ يثبّته ويعمّقه.

3. كيف تؤثّر الامتحانات الرسميّة (مثل الشهادات العامّة) في ثقافة الطاعة؟

تؤدّي الامتحانات الرسميّة عالية المخاطر دوراً مركزيّاً في ترسيخ ثقافة الطاعة. فعندما تصبح الشهادة العامّة بوابّةً شبه وحيدة للانتقال التعليميّ أو الاجتماعيّ، يتحوّل الصفّ إلى مساحة تدريب على إنتاج الإجابة التي تضمن النجاح، لا على التفكير المستقلّ.

كما وتشير دراسات مقارنة إلى أنّ الأنظمة القائمة على امتحانات مصيريّة تدفع المدارس إلى: تقليص هامش التجريب، معاقبة الخطأ ضمنيّاً، ومكافأة الامتثال للإجابة النموذجيّة. وهو ما يضعف المبادرة حتّى لدى المعلّمين أنفسهم (OECD, 2019؛ Darling-Hammond, 2010).

4. ما الأثر طويل الأمد لهذا النمط التعليميّ في الشباب وسوق العمل في المنطقة؟

على الأمد الطويل، يُنتج هذا النمط التعليميّ شباباً يمتلكون معرفةً نظريّةً، لكنّهم أقلّ ثقةً في اتّخاذ القرار، وأكثر حذراً في المبادرة، وأضعف استعداداً لتحمّل المخاطرة. وتشير تقارير سوق العمل إلى فجوة واضحة في المنطقة بين مخرجات التعليم ومتطلّبات الاقتصاد المعاصر، خصوصاً في مهارات مثل القيادة، وحلّ المشكلات، والعمل التعاونيّ (World Economic Forum, 2020).

لا يظهر هذا الأثر فوراً في نتائج الامتحانات، لكنّه يتجلّى لاحقاً في: بطالة الشباب، وضعف ريادة الأعمال، وتردّد المشاركة المدنيّة. وهو ما يجعل القضيّة تربويّة – اقتصاديّة – اجتماعيّة في آن واحد.

5. ما أوّل تغيير واقعيّ يمكن أن تجريه المدارس العربيّة دون كلفة أو صدام؟

لا يتطلّب أوّل تغيير واقعيّ كلفةً ولا صداماً؛ فهو إعادة توزيع القرار داخل الصفّ. وعليه، يمكن للمدرسة أن تبدأ بخطوات صغيرة، مثل: إشراك الطلاب في وضع القواعد، لا فرضها عليهم فقط، إضافةً إلى إعطائهم خياراً حقيقيّاً في طريقة الحلّ أو عرض التعلّم، والتعامل مع الخطأ بوصفه فرصة للتفكير لا دليلاً على الفشل.

تشير تقارير حديثة إلى أنّ هذه الممارسات الصغيرة تُعدّ من أكثر الوسائل فعاليّةً في تنمية الفاعليّة دون المساس بالانضباط أو متطلّبات المنهج (UNESCO, 2021؛ OECD, 2019).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى